أسماء علي

مدونة أدبية أغلب الأوقات .. حكايا خيالية .. نثر

26 أكتوبر 2009

عن بعض الأشياء..!




عن شيئ ما:
حينما نُمسك القلم .. نمسكهُ متأخراً ..!
نُمسكهُ بعدما ينتهي القصف تاركاُ خراب المُدن و رائحة البارود الممزوجة بتلك الدماء الطازجة التي منذ وقت قريب جداً كانت دماءاً تجري في عروق من لا يظنون أن الحروب ستنشب في مدنهم..مدينتي المقصوفة مازالت تحتفي برائحتك التي تنتمي للبارود و النيران
أنت القصف .. أنت الحرب
و ماعدتُ سوى مدينة ربما تذكّرها بعضهم في كتب التاريخ , ربما وجدوا آثاراً تحكي عن احتمالية وجود حضارة في تلك البقايا
فقط ربما..
بعدما كنتُ هنا أحكي لن ينصفني التاريخ سوى بكلمة ربما وُجدت..!
***
عن الأرانب:
ربما أشبههم..!
***
عن مدونتي:
مدونتي تحمل مزايا تلك النافذة التي شُيدت على قمة الجبال لترى المحيط , كيف أبتعد عنها؟؟
في لحظات اليأس نتخلى عن كل شيئ بإرادتنا المُكبلة بالحزن , لكنني لا أحب الحزن بأنواعه و أشكاله النمطية التي لا تجديد فيها , يجب على الحزن أن يكون مُبتكراً حتى يمكنني أن أخضع لهُ ..!
للكلمات سحر جذبني منذ زمن , منذ طفولتي قررت أن أدخل تلك المدن المسحورة داخل الكتب ثم مر الزمن لتصبح الكلمات المكتوبة هي كل ما أملك و ما أود!
لم أقس البشر يوماً سوى بقدر تقديسهم للكلمات , لكل الأشياء رونق ماعدا الكلمات تفعل فيّ كتلك النباتات التي تطلق رائحة جاذبة للفراشات , تجذبني نحوها و لا أحترق لأنها ليست كالنار , فقط هي طريق و اتخذتهُ منذ زمن .. لا أهتم أين سيصل .. أو حتى أين سينتهي .
***
عنهُ:
يبدو أنهُ حقاً الهوى كما قال ..!
***
عن صديقاتي:
ربما في المحن فقط نرى الأصدقاء من جديد , كما فعلتُ بالضبط , لذا لا أنكر كم أنني فتاة سيئة لا تجيد حقاً تقدير أصدقائها ..
كانت نصائحهم تُشبه كتاب ساخر لاذع يجعلني أضحك مستيقظة من سبات مرضي ..!
كما علمتُ مؤخرا أن الآي كيو _معدل الذكاء_ الخاص بي رائع في كل أحواله ماعدا حينما أحب فإنني حينها لا أملك أي معدل ذكاء بالمرة كما قالت ايمان صديقتي , جعلتني أنظر لها ثم أتعجب كيف لم أدرك يوماً أن صديقاتي الأربعة ربما هم فقط من يفهمونني في هذه المجرة..!
و هكذا أعلن من مجرة درب التبانة أنني ممتنة لوجود أربع صديقات بذلك التناقض لكنني أدين لهم بالكثير من الحب..
***
عن النسكافيه:
المج أوشك على الإنتهاء و يجب أن أسرع بإنهاء الكتابة لأصنع غيره...!
**

19 أكتوبر 2009

آلهة لا تقبل القرابين






يمتزجُ إيقاع الطبول بضجيج الأبواق حتي كاد يصم الآذان ، فيحتشد أهل القرية أمام المعبد الأحمر للقيام بالطقوس التي أخبرهم الكهنة أنها سترفع غضب الآلهة , للمرة التاسعة يقيمون الطقوس و يقدمون القرابين التي لم تنفع في شيء خلال ثمانية أسابيع متتالية قدموا فيها كل أسراهم .



وقفوا يتهامسون أن دم الغرباء زاد من غضبِ الآلهة و لم يطفئهُ ، و حينما تعالت الهمسات و أصبحت لغطاً، قرر الكهنة الإذعان لمقولة الرجل العجوز بأن يكون القربان من أهل القرية و من سلالة الجد الأكبر، نقي الدم و لم يختلط بماءٍ غريب.


عندما رحل المقدس الأكبر عن عالمنا ، منذ ثلاثة أهلة ، أعلنت السماء صب اللعنات , كان المقدس هو ابن الآلهة المدلل ، لذا انتشر الجدب في الأرض، وهزلت الماشية و لم تعد تدر لبناً , من استطاع ذبحها قبل نفوقها استفاد ببضع كيلوجرامات قليلة من لحمها المتيبس، و من لم يستطع فقد خسر كل شيء, لم تجد المحاصيل ما يرويها فماتت و استحالت تربة الأرض إلى صحراء , مات كل الأطفال المولودين منذ مات المقدس ، و لم تنقذهم أي قرابين أو تضرع .


اجتمع الكهنة باحثين عن دم النقي كي يُقدموه قرباناً، فأحضروا ألواح الجص التي نُحت فيها سلسلة الأنساب منذ أن وطأ الجد الأول هذه القرية بادئا فيها بذرة الحياة , أحضروا الألواح المحفوظة في السرداب و المدفونة تحت المعبد بجوار جثمان المقدس الملفوف بحرير أحمر لأنه اللون الذي تحبه الآلهة فتخفف على الروح طريقها إليهم ، راجعوا كل الأنساب حتى وجدوا أن الحل مُستعصي، فالدم النقي الوحيد هو ابن المقدس الرضيع ، هو من ورث الحكم عن أبيه بعد موتهِ ، فوضع الكهنة اسمه مقدساً و تولوا إدارة الحكم حتى يصبح يافعاً.


وقعوا في حيرة من أمرهم ، فالعجوز أعلمهم أن النبوءة واضحة و أنهم من تحايلوا عليها منذ البدء بدم الغرباء : لن يكف الغضب سوى بدم نقي. بحثوا مرة أخرى في الأنساب ، في هذه المرة وجدوا أن هناك شخصاً مناسباً ، صانع الذهب الذي ورث الحرفة عن أبيه ، هو من صنع كل مجوهرات المُقدس التي أخذها في تابوته للحياة الأخرى . 
هو الصانع الذي يأتي لهُ كثير من الأثرياء من القرى المجاورة حتى يشتروا منه بعض تلك المجوهرات المصنوعة بدقة و المُزينة بأحجار نادرة, دمهُ نقي ، فقط جدته لأمه كانت من سبايا احدى الغارات على قرية بعيدة, الشرط واضح ، دمٌ نقي لم تعكرهُ مياه غريبة لكن الوعاء الذي جرت فيه المياه لا يهم .


اتفق الكهنة فيما بينهم أنهم لن يخبروا الرجل العجوز عن الدم الأكثر نقاءاً , و هكذا خرجوا البارحة ليعلنوا أن الدم النقي الوحيد في القرية هو صانع الذهب ، ليتركوا الحكم لمن أضناهم الجوع ، و آرق نومهم صوت أطفالهم الباكين ، فهبوا مسرعين نحو بيت صاحب الدم النقي , أخرجوه من صومعتهِ مسحولاً على الأرض ، كان مذهولاً لا يفهم ما يحدث .


علقوه اليوم على مذبح المعبد ، مدبوغاً باللون المُقدس حتى ترضى الآلهة ، فامتزج إيقاع الطبول بضجيج الأبواق حتي كاد يصم الآذان ، و يتعالى معها أصوات أهل القرية في تراتيل جائعة ، مرهقة ، يائسة .


يقف الكهنة في نصف دائرة خلف القربان النحيل المصعوق , لم يكن هناك أشد صعقة منهُ سوى زوجته الشابة التي تزوجها قبل موت المقدس بيومٍ واحد . كانت المرأة تتمرغ في الأرض باكية ، تتضرع للآلهة ، تتوسل للكهنة أن يبحثوا جيدا في الأنساب , لكن لم يبالِ بها أحد, قلب امرأة وحيدة يتمزق أمام أفواه قرية كاملة جائعة ، لن ينقذ القربان من مصيرهِ.


عندما انتهى الكهنة من التراتيل ، تقدم الكاهن الأكبر مشهراً خنجره المقدس الذي زينهُ يوماً صانع الذهب بالأحجار والنقوش ، ليتلو صلاة قصيرة ويشق صدر القربان بيدٍ ثابتة كأنه يؤدي أكثر المهام قدسية في العالم , و يسيل الدم على المذبح و تهيم الروح تائهة في المعبد باحثة عن طريقها للخلاص.


غاص أهل القرية في نوم كان قد هجرهم منذ أن حلت اللعنات ظناً منهم أن الآلهة قد رضيت ، بينما كان العجوز يعيد النبوءة في ذهنه : إن لم تقدموا الدم الوحيد النقي كقربان ، لن يتوقف غضب الآلهة ، وستتوقف الحياة .


و توقفتْ .
***

تم نشرها في اليوم السابع: الجمعة 16 أكتوبر 2009

لرؤية القصة هناك اضغط هنا 


15 أكتوبر 2009

انصهار




أصهرُ نفسي
فوق حاوية أسراري

الممتلئة بسرِ واحد كبير

أُغرقُ الأرض بالمتبقي مني


و في عنفوان ضعفي

أمتثل للجاذبية

تشربني الأرض

و تبتسم برضا

لأبقى في باطنها


أبحث عن الخروج
 المقدس
!.. 



أحاول من جديد التجسد


أتسمرْ .. أرقصْ .. أسقطْ


بعض المحاولات فاشلة


بجدارة


و البعض الآخر يقاتل ذاته


**


تسقط بذور جافة


تًنبتُ شجرة


تمتد جذورها لتتشربني


لأتجسد تفاحاً و ورقاً أخضر


و
في الخريف ينهشني الذبول


لأسقط


حينها أدرك كم كان الانصهار رائعاً
...



29 سبتمبر 2009

تهويدة حزينة



مضى عام جديد مني دون أي مقدمات كما هو المعتاد , لم تُصبني الشيخوخة بعد , لم تتساقط أسناني , لم تُصبح التجاعيد هي الطاغية على وجهي , مازلتُ في عُرف البشر شابة, لكن القلب لا يهتم بالأعراف مطلقاً , احتراق الأشياء يترك رماداً على جدرانه الهشة , لا يسمح بخروج أي ضحكات منهِ , العناكب سكنتهُ , ما أن يقترب منه الضوء الدافئ للحياة حتى تأتي عواصف ترابية لينسحب لرماده العتيق مرة أخرى.

حينما يصبح الخوف هو الأب الروحي لقلبي , اذاً لا مفر من الاعتراف أن الخوف هو أقوى احساس أملكهُ , حتى حينما أعلن عقوقي لأواجه الحياة بصدق , أجد أن الصدق غير واقعي لأن الجميع يكذب , لو أنني رأيتُ من قال أن الصدق مُنجي لأخبرته أنه كاذب , كلماته جميلة للكتب المدرسية ليخبروننا أنهم يهتمون بالتربية , لكن الواقع ذاته لا يهتم بتلك الأشياء المُنمقة.
بصدقٍ أخبركم أن الكذب مُنجي جدا
ينجي القلب من انكسارات عديدة , من احتراقٍ جديد .
كلما بدأ القلب بالتعافي أصابته انتكاسة جديدة .
الطريق منذ يوم بدأتُ الحياة لم يكن مُعبّدا كما يليق , قلبي وردة مجففة أقل شيئ يبعثرهُ و يهشمهُ , كلما لملمتهُ تبعثر أكثر , لأخاف من يومٍ لا أجد ما ألملمهُ.
محاولاتي للحياة كثيرة لكن ينقصني الكثير من الواقع لأحيا , ربما يجب أن أعود للخوف من جديد ليحميني بانعزالهِ المُعتاد , ربما يوم أتعلم كيف أستطيع العيش دونهِ .
الآوان لم يحن بعد , كل اعتقاداتي عن وجود الأمان و الحياة هي سراب أتخيلهُ في يومٍ لأستيقظ صباحاً مجمدة لا أجد أي شمس تعلن عن دفء الحياة أو اشراقات الصباح و دونما أي شيئ يحميني .
علامات التعجب و الاستفهام تلك الهواجس تجعلُ الفرحة الوليدة تموت في هدوءٍ قبل حتى أن تصرخ صرخة الحياة, أخاف من يومٍ لا أجد رَحِمّاً للفرحة حتى تتكون فيهِ , فأصبحُ عاقراً جدباء لن تنجب الفرحة يوماً.


***


و هكذا أكملتُ عامي الخامس و العشرين خائفة أن تصبح دموعي أكثر مرارة من قهوتي التي دون سكر!

19 سبتمبر 2009

شريط ساتان







لي فترة أود التحدث عن ابنتي , لكنها رحلت عني منذ وددتُ أن أفشي أسرارها الصغيرة على الملأ, رحلت غاضبة عن عالمي لأنها دوماً تعتبر أن أجمل ما فيها أنها سراً , ظللت طوال شهر أحاول اقناعها بالتوقف عن العناد و العودة لي, لكن يبدو أنها ورثت العِنّد من أبيها, لقد تحدثتُ كثيرا عنهُ لكن لعلني نسيتُ أن أخبركم كم هو عنيد, و ابنتي -للأسف- ورثت نفس الصفة التي جعلتني أعشق أباها حد الثمالة .


لكنني لم ايأس من عودتها , اشتريتُ لها فستان العيد بلونهِ (الموف) و أحضرتُ شريط ساتان باللون ذاته كي ألملم خصلات شعرها البنية الناعمة بتهدل كما تحب دوماً , مع حذاء عالي الكعب و حقيبة تمسكها في يدها كالكبار , هي دوماً تعتبر نفسها آنسة كبيرة.. لم تولد بعد..!


حتى الشيكولاتة الجالاكسي بالكراميل أحضرتها كي تعتبرها عربون مصالحة , فردت كل أشيائها و هداياها على السرير منتظرة اياها , الأطفال لا يقاومون الهدايا, على الرغم أنني كنت أقاوم كل شيئ حينما كنتُ أقرر اعلان الحرب على أبي و أمي.


بعض البلالين الملونة أعلقها في الغرفة بانتظار ابنتي المدللة التي مازالت تواصل دلالها بطريقة جعلتني أصاب بالجنون , أما كفاني عنيد وحيد في حياتي حتى يصبح لدي اثنان يتسابقون أيهما أكثر عنّداً من الآخر..


نسيتُ العيدية , ربما لأنني لم أتلق أي عيديات في حياتي , كانت اتفاقات كبار مع أبي , أحتاج إلى كذا و كذا ليعطيني مبلغ أكبر من احتياجاتي دون أن يخبرني أنها عيدية , فقط مصروفي المعتاد بمنحة العيد , لكنني سأجعلها تتعود على العيدية , أحضرتُ تلك الأوراق الجديدة لأضعها في حقيبتها دون طيِها بالطبع, العيدية يجب أن تظل أوراقها جديدة دون أي تثّني , مثل أحلام الأطفال التي تظل مفرودة تواجه أي شيئ حتى يكبرون ثم تتمزق لكن الآن ليس آوان التمزق بأي حال من الأحوال..



الانتظار طال , التهم الشيكولاتة دون أن ألحظ ذلك سوى بعد أن انتهي منها , أنظر للورقة في يدي , لأقوم و ألملم هدايا العيد , لأن ابنتي لن تأتي اليوم فيما يبدو , أخبروني كثيرا أن نظريتي خاطئة بشأن ابنتي , يبدو أنني سأضطر أن أصدق هؤلاء القوم بشأن أن الأطفال لا يأتون من الخيال  لذا هاهو عيد جديد دون ابنتي الافتراضية أيضا ..



25 أغسطس 2009

فوضى..!






مياه مندفعة ، غزيرة ، تغرقني تماماً ، فتثير غيظي بشكل لافت ، وتستوجب مني الكثير من الجهد كي لا أصرخ في وجوههم ، موبخة إياهم على إفسادهم شعري ، الذي خرج للتو من تحت يد كوافيري باهظ الثمن . أحاول قمع غضبي الناجم عن تلويث الماسكرا لخديّ بشكل مثير للضحك ، بينما أتخيلني بعينين متنمرتين يقفزُ السخط منهما ، وأشعر بأسناني تصطك ببعضها بقوة ، فتحدث صوت طرقعة مسموعة ، ويرتجف جسدي كله ليعلن اعتراضهُ على أوامر عقلي بالثبات .

في سخط يتحرك الجمع ، أو يثبتون في أماكنهم ، أو يفترشون الأرض ، منهم من يتقافز في وجه المياه ، أو يعطيها ظهره ، أو يفر هرباً من قوتها ، لكن الحقيقة التي أعلمها وحدي أن سخطهم لا يرقي لسخطي ، فالمياه المندفعة التي تُشعل الغضب و لا تطفئهُ على الإطلاق ، لطخت خديّ بالماسكرا ، وبللتْ شعري .
لا أعلم يقيناً من ابتدع هذه الفكرة الحمقاء لفض الجموع..! لا بد أنهُ أحد كارهي النظام جدا ، لكن ما ذنب مكياجي في كل تلك الفوضى التي أصابتهم..!
تمتليء أذنيّ بصرخات عالية ، و أصوات معترضة ، وضوضاء غارقة في مياه غزيرة مازالت تحممنا . كم أنثى مثلي غضبت على فوضى مظهرها؟ كم رجل تحسّر على بذلته الوحيدة التي يوفرها للمناسبات الهامة؟ فضلاً عن الاوراق والنقود المبتلة .
ربما من اخترع هذه الطريقة كان يود إلحاق أضرار مالية تجعل محدودي الدخل ، أو معدوميه ، يكفون عن فعل ذلك مرة أخرى ، أتُرى أصاب ؟!
خط بارليف المنيع قضوا عليه بالمياه المندفعة ، فما بالنا ببعض المهمشين المنكسرين!
لا يهمني كل ذلك ... فليذهب هؤلاء المنكسرون الحالمون إلى الجحيم . بنطلوني الجينز صار مبللاً، وبلوزتي التصقت بصدري ، ويجب أن أعبر للشارع الآخر حيث ينتظرني رجل كبير يعشق البنات الجميلات . لو تأخرتُ أكثر من ذلك سينتابه القلق ، سيهاتفني علي موبايلي بغضب . ألتفتُ حولي فلا أجد مخرجاً ، حتي السماء اختبأت خلف سحابة مارقة ، وأعلن الليل عن نفسه في وسط النهار . تواتيني رغبة شيطانية لأمسك أحد خراطيم المياه وأفرقُ بها هؤلاء الحمقي . ما سبب المظاهرة ؟ سألتُ أحد الواقفين بجواري ، فنظر إليّ مدهوشاً كأنني أهنته ، وأدار وجهه للجانب الآخر ليسأل جاره ، الذي نظر في صمت وظل يهذي بحروف لا تشكّل كلمات. سألت آخر ، فابتسم لي ببلاهة وأشار بيده إلي خديّ الملطخين بالأسود ، ولم يُجب .
حاولتُ المرور بين الحشود ، فلمحتُ أحدهم يرتدي كاباً به رسمة لرجل وسيم له شارب يرتدي قبعة عليها نجمة ، سألته عنهُ ، أجابني بأنه جيفارا ، رمز الثورة في كل مكان . رد آخر متحسّراً علي أيام جيفارا وأمثاله ، فتذكرتُ شعري المبلل من نبرة الحسرة في صوته. لم يكن هناك كوافيرات باهظة الثمن مثل الآن ، فكّرتُ وواصلتُ إقتحامي .
كانت المياه تأتيني من جانبي الأيمن بكثافة . ما ذنبي أنا في أن مكتب الرجل الكبير ، الذي يحب البنات الجميلات ، يقع في احدي بنايات حي عريق ، أقصد كان عريقاً حينما كانت الحياة تحتمل ابتسامة صافية لا إصطكاك أسنان .
أذهب إليهِ كي أكون إحدي البنات في مكتبه الفخم ، بنت جديدة حلوة يمتص حلاوتي مغلفاً أوراقي في ملف أنيق يحمل رقماً في أرشيف الموظفات . هو رجل طيب ، يوظف البنات الحلوة التي يمتصها ، لم يُلق يوماً بواحدة إلى الشارع الذي كان عريقاً دوماً ، بإستثناء قليلات أُلقي بهن لأنهن حالمات جدا ، حلمن بأكثر من رقم في أرشيفه !
 خرجتُ من بين الصفوف بمعجزة ، لكنني الآن مبللة و ناقمة . الماسكرا لا زالت تسيل بسوادها الفاحم على خديّ ، ورغم أن المياه توقفت عن اغراقي ، إلا أن دموعي تهرب مع رنات موبايل يرتجف في بنطلوني الجينز .


***

تم قراءة القصة و مناقشتها على البرنامج الأوربي مع د\سحر الموجي يوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2009



18 أغسطس 2009

الفانوس الأحمر!



منذ ألف عام لم أنم كالأطفال
طفولتي رحلت مني دون عودة
تاركة بقايا الحنين بلون الأرق
....


أحمرٌ كان ذلك (الفانوس) الأول في حياتي, أحملهُ في كفي دون مشقة تُذكر

لم أعلم حينها أنني يجب أن أُلقي تعاويذي بصوتي الطفولي الحاد و المزعج في آنٍ واحد , لأصنع أسطورتي الخاصة مع فانوسي
لكنني لم أعرف تلك الكلمات حينها التي تصنع أساطير الأطفال!


ليس قلة معرفة مني , لكنني ما يطلقون عليه ابنةُ الرجال, إنني طفلة أبي الوحيدة و المتشبهة بهِ حد النفور و المشاكسة, تربيتُ كأنثى تمنّوا يوماً في سرهم أن تكون ذكراً, لذا كنتُ دوماً أتصنع أنني رجلاً كبيراً لأتساوى بأبي, تناسيت أنني أنثى ..و لم أفطن _سوى متأخرا_ أن طفولتي أيضاً منسية.
كانت هدايا أبي دوماُ أشياء جادة, تُشبههُ كما تشبه ما تصّنعتهُ, لم يعتقد يوماً أن هدايا الأطفال ستثير فرحتي

لذا جاء أول فانوس متأخراً
كنتُ في الثامنة من عمري!
و حينها لم أخيب أفكار أبي, لأنني بكل بساطة لم تُصبني أي فرحة أو دهشة بذلك الشيئ الأحمر الذي يضيئ
كانت تنقصني الطفولة و التعاويذ!

..
كان من الممكن أن أعلم تلك العادات من هؤلاء الأطفال حولي,
لكن أبي أطلق اسماً يليق بتشبثي بوحدتي
القط النفور
نعم .. كنتُ أبتعد جدا عن البشر أو احتمالات وجودهم, لذا جاء الفانوس الأحمر دون تعويذته!
...

مؤخرا حصلت على أنوثتي عندما أصابني العشق, لأطلب بتمرد طفولي أنثوي من حبيبي أن يُهديني فانوساً أحمر اللون ليس كبيراً كي أستطيع أن أحملهُ في كفي و اشترطتُ عليه كمن يتحايل على الزمن بأن يكون ذلك الأحمر لا يرقص .. لا يغني .. و لا يفعل تلك الأشياء العجيبة التي تخص زمننا الحالي!

لأنني قررتُ أن أمسك فانوسي الأحمر
و بصوتي الذي مازال مزعجاً أتلو تلك التعويذة بعدما أهداها لي العمر الفائت

حالو يا حالو
رمضان كريم ياحالو
حل الكيس و ادينا بقشيش
لنروح ما نجيش يا حالو!


02 أغسطس 2009

لينفرط عُقد الحكايا





ينفرطُ عُقد الحكايا من بين يدي
كامرأة يهجرها الحنين ما بين شفاه الخطيئة و التوبة
**
في عواصف اشتياقي لك يدثرني الصمت و الجنون في آنٍ واحد
و أظل أبحث عنكَ في كل أصدقائنا المشتركين و حينما يتسنى لي نطق اسمك , أنطقه بلامبالاة .. مثلما يهذبُ الأب أطفالهُ حينما يخطئون , لامبالاة في التعامل تصيب الأطفال بجنون البحث عن أخطائهم ..!

أنتظر صوتك .. كلماتك .. رسائلك
لكنك بعض الأحيان تمارس مثلي , ذات الحكاية
تنتظر أيضا!
لنظل ندور في دائرة مفرغة , أنتظرك , تنتظرني , دون خيط اتصال..

هواجس فقدانك تلتصق بأفكاري لتتسامر معها عن احتماليات الفقد و الرحيل , تلك الأشياء المؤلمة التي تحدث دوما لتُنهي حكايات الهوى , لذا أتصنعُ عدم الإهتمام و أنفضُ تلك الهواجس التي تشبه عجائز عائلتنا حينما يجتمعون ليشعلوا النار في البيوت من باب تزجية الوقت.

 
إنه الوقت الذي يمر دونك , يجعل كل أقنعتي تتساقط بسهولة , دموعي الحبيسة في نظرتي الشاردة , تجعلني مثل قطة حديثة الولادة لم تجد أمها , لذا يسألني الجميع عن ما حدث لي ؟
فأخبرهم بصوت مبحوح أنني مرهقة و مرهقة و ...
و هكذا يصيبني الإرهاق من ترديد الأكاذيب
لأستسلم في كتابة رسالة لك , ينقصها كل شيئ من الإبهار اللغوي و التراكيب الجديدة
ينقصها كل ما أبرعُ فيه , لأجد أنها رسالة تشبه رسائل كل النساء حينما يصيبهم جنون القلق و الإشتياق الممزوج بالخوف
رسالة تحوي كلمات ركيكة لا تحمل روحي في شيئ , لكنها تحمل تراثاً جمعياً من كل النساء, اللواتي في لحظات القلق كلهن متشابهات حد الملل ..

أحدثك بوجع تائه عن طفلي الذي قرر عدم المجيئ من كثرة تذمري من أبيه!
لتكتب لي أخيراً بعدما استنفذتُ كل طاقات البكاء و الفرحة على عتبات غيابك الذي سمّرني على حافة الجنون
و تُخبرني ببرودٍ عن الحلول المُتاحة لإبدال الأب بآخر يليق, ثم تثور , لتؤنبني على تعاملي كأبهى ما يكون مع الحياة دونك
..

دونك!
يالك من طفل مدلل , يوجعني غيابك لأستند على تفاصيلك كي أظل أبهى ما يكون في انتظارك!
على الرغم من ثورتك الموجعة حاولت أن أحكي حكاية عشقي لك
لكنك عنيد كما تعلم , و أنا مُرهقة من كثرة غيابك
لذا

لم أستطع من الإرهاق و التعب و الإشتياق سوى أن أكبت دموعي ..

لينفرط عُقد الحكايا من يديّ
و
أحبك
**


07 يوليو 2009

رسائل (4)


مبللٌ أنت برائحة الملح
رمالك دافئة
أغوتني بالاستلقاء على شواطئك
ثم قررتُ البقاء فيك للأبد

**

قبلكَ لم أكن أجرؤ على فتح نافذة صومعتي

كنتُ أشعر بأنفاسي الرطبة تملأ محيطي و دخان سجائري و دموعي تتبخر مع هواء الكمبيوتر الساخن .. كل تلك الأشياء كنت أُغلق عليها نافذتي لأحتفظ بذاتي حتى لا تطير مع النسمات الطازجة للهواء..!

كان ذلك هو كل ما أملكُ قبلكَ

طفلةٌ بائسة كنت , لكنني أتقنُ التظاهر بالحياة حينما تضطرني الظروف للإنتقال خارج صومعتي
كنتُ أمارس التظاهر بكل شيئ تعيشه أي فتاة في عمري

لكنني كنتُ أظل خارج دائرة التواصل الطبيعية..!

التخبط هو الوصف التفصيلي لحياتي القديمة

كنتُ أحاولُ أن أستعيد بعض طباعي من أشيائي القديمة , لكن شجرة لبلاب لعينة و ميتة منذ أعوام , تطاردني لكي تلتفُ حول روحي و تخنقها..

كنت أفتح كُتبي القديمة في محاولات غبية كي ألملم روحي الممزقة في كل القديم , لأجد بقايا زهرة تتساقط , كنتُ يوما وضعتها لتجف ..

(تلك المحاولات الطفولية لاقتناص لحظاتنا الهاربة )

أرتدي فستاناً قديماً لتصفعني رائحة (برفاني) القديم الذي لم أشتره منذ انقطاع خيط الحياة

محاولات الاتصال بأصدقاء قدامى , لأجد أن التغيير يطول الأشخاص كما يطول الأشياء

لذا كنتُ دوماُ أعود إلى صومعتي عالمةً أنها المكان الوحيد الذي يحتويني حتى لو خنقني العطن..!

**
أتتذكر كل حكاياتي التي لم أحكها لسواك في بداية تعارفنا؟
لا أعلم يومها لماذا حكيت
لكنك تعرفُ أنني كنتُ أمارس كل عادات القدماء في اقتناص أبدية الأشياء الميتة \ تبجيل الموت

كنتُ أجيد تحنيط الذكريات , لأبثُ فيها الحياة من جديد
لكن كيف لميتة أن تبث الروح في موتى؟؟

....
المياه الراكدة كانت تستهويني
تعودتُ الهواء العطن
فالتعود طلاؤه باهت
مغمورٌ في مياه راكدة
و كل محاولات اغرائي بماءٍ جارٍ \ بهواء نقي
كانت تفشل ..
كنتُ يائسة حد قتل كل محاولات الحياة بداخلي..!


...
أتتذكر ذلك اليوم و نحن نعبر الشارع في ميدان طلعت حرب؟
تشبثت بيدك ليس خوفاً من السيارات بالطبع .. فتاة ناضجة مثلي تستطيع عبور الشارع كالقرود
ودون قصد في اغوائك أيضاً, لكنني وددتُ لمس الحياة
جذبني يومها هاجس الحياة من جديد , و لم أر الحياة سوى في لمستك فقط..!

لم أعلم يومها بالتحديد أن الحب شهق بقوة , شهقة الحياة التي يخرجها المواليد في صرخة و بكاء
لكنني آمنتُ بحبك
آمنتُ بالحياة
لأعود يومها ذاهلة من قراري بفتح نافذة صومعتي..!
...

أصبحتُ أخطط ماذا سنفعل خلال الفصول الأربعة القادمة و الألف عام القادمة
أصبحتُ تلميذة مراهقة , كلما وجدتُ شجرة رسمتُ قلباً يحوي أول حروف اسمينا..!


هل كان ظهورك في حياتي حتمية قدرية؟
حتى أغير تصفيفة شعري الكلاسيكية منذ ألف عام ..
ل تسريحة ملكية كانت سائدة في عصور الملكات..!

لقد منحتني صولجان الحكم لتفتح الأزهار و هطول الأمطار
و التحكم في مواقيت أنهار الحياة..

...

حينما سألتني كيف رأيتكَ في ليالينا السرية معاً
لم أعرف كيف أجيبك..!
على الرغم من جرأتي الظاهرية لكنني مازلتُ طفلة في حبك
وجهي يتلون خجلاُ منك
لذا أصابني الصمت يومها
لو كنتُ أستطعتُ التحدث لأخبرتك أنك غسلتَ جروحي بأحلامك
توسدتني كطفلٌ مني ..

ديوان (أمل دنقل) الذي أحضرته كي تُخبرني بطفولة محببة لدي أنه يبدو أن (دنقل) أيضا أحب فتاة بعيون خضراء
و بدأت تقرأ عليّ الأربعة قصائد
كنت لحظتها لا أستمع بقدر ما كنتُ أحبك داخلي بصور جديدة
يومها وجدتُ أنك كل ما أملك في أعوامي الألف القادمة

حتى أنني حلمتُ بلحظات شيخوختنا حينما سأثرثر بجانبك و حينها بحكم السن ستقنعني بأنك تسمعني بتركيز
لأكتشفُ أنك أخذتَ غفوة صغيرة حينها صدقني سأوقظك لأخبرك كم أنك طفل خبيث فعلاً
سنضحك كثيرا لتخبرني أنني أصبحتُ عجوز ثرثارة


لأخبرك بثقة أنني في أوج شبابي و أنك من أصبحتَ عجوز
لكنك مازلتَ الرجل الوحيد الذي أودهُ \أعشقهُ..

و

أحبك

06 يونيو 2009

رسائل (3)




اليوم سأكتب لك بواقعية شديدة جدا
عن النيران أحكي .. عن زمنٍ لم أستسغهُ يوما قبلك..!

....
في هذا الزمن المخصية رجاله من رجولتهم
حينما لا تعرف الرجال سوى من أوراقهم
و آثار تشريحية تخبرك عن بقايا رجال

في هذا الزمن يرتفع صوت المُخنثين
معتقدين أن صوتهم اثبات رجولتهم

....

ترى آثار ممسوخة من أشباه الرجال في كل مكان ..
....



لذا دوما كنتُ أرفضُ رجال هذا الزمن الممسوخ ..
كنت أودُ رجلاً غير ممسوخاً ..رجلاً لا يمارس حيل البهلونات .. رجلاً لا يتحايل كالمومسات
رجلاً لا يُلقي بي عند مفترق الطرق و كأنه لم يعرفني يوما ..
رجلاً حينما أعتذر عن شوائب الأيام لا يلوثني ..

لكن كما أخبرتك مراراً .. الرجال المزيفون أصبحوا أكثر انتشارا
أشباه الرجال يحيطون بنا من كل مكان , يعرفون كيف يتشبهون بالرجال


لكنني بعد الألف ألف تجربة
أصبحتُ أقشعر من روحهم المُزيفة ما أن يقتربوا , حتى لو حاولوا مداراتها

ألم تر يوماً القطط حينما تقترب منها الأرواح الشريرة ؟
تتقوس ظهورها و تنتصب شعيرات أجسادها

إنهم يشعرون بالمسخ .. كما أفعل أنا أيضا..!

....
حتى وجدتك ..

من أول يوم ميزتك , تشممت روحك الحقيقية , كعصفورة وجدت عشها بعد عاصفة غيرت الأشياء ..
أخبرتُ نفسي .. إنه من القلائل الغير ممسوخين .. الحقيقيين .. الباقين ..

صوتك المرح .. رجولتك الهادئة .. ثقتك المبهرة من فرط تلقائيتها
قناعاتك الخاصة التي تؤمن بها ..لكنك لا تحارب من أجل اقناع الآخرين بها ..
روحك المزروعة بالأشجار .. أشجارٌ قبل ميلاد البشر..
يومها تدلت روحي من أغصان أشجارك
لأجد أخيرا الضلع الذي منه خُلقت .. نصف روحي التائه منذ الميلاد
نصف التفاحة كما تُخبرني دوما ..


لأنطق بأولى أبيات الأبدية في حرية حبك
أجذبك من منتصف الطريق الذي تسمرتَ فيه
أعانق أشجار الصنوبر تحت مخمل أصفر
يُعلن غروب كل مافات
غبار الأزمنة و المسوخ لم يُمزقني
لأنني معك امرأة جديدة أُولد من شمسك
أخرج منك حاملة الحقيقة الغير مهترئة


و أنت
كل أطفالي و رجالي
و قواقعي المتناثرة على كل الشواطئ
كل أحلامي المزركشة بنهايات لامعة
كل أصابع الطباشير التي كتبتُ بها طفولتي
..


أتتذكر يوم أن كتبتَ لي على سوليفانة علبة السجائر
(قبلك اعتقدت أن فصول السنة أربعة حتى وجدتكِ لأكتشف الفصل الخامس!)

يومها الصمت دثرني
لأنني قبلك اعتقدتُ أن الحياة رمادية
و الفصول رمادية
و البحار و الأشجار و الألوان
كلها رمادية
حتى وجدتك

لأجد أن كل الأشياء معك أصابها جنون الألوان

تعالى
يا نصفي المقدس
يا ترنيمة الأبدية
يا رجل خبئتهُ تحت جلدي..!

و
أحبك


***


تم نشرها في جريدة الجيل الأسبوعية يوم الأربعاء 12 أغسطس 2009